الغزالي

104

إحياء علوم الدين

وامتناع أولئك لا يدل على التحريم . وما نقل عن سعيد بن المسيب أنه ترك عطاءه في بيت المال حتى اجتمع بضعة وثلاثين ألفا ، وما نقل عن الحسن من قوله لا أتوضأ من ماء صيرفي ولو ضاق وقت الصلاة ، لأني لا أدرى أصل ماله ، كل ذلك ورع لا ينكر . واتباعهم عليه أحسن من اتباعهم على الاتساع . ولكن لا يحرم اتباعهم على الاتساع أيضا فهذه هي شبهة من يجوز أخذ مال السلطان الظالم والجواب أن ما نقل من أخذ هؤلاء محصور قليل ، بالإضافة إلى ما نقل من ردهم وإنكارهم وإن كان يتطرق إلى امتناعهم احتمال الورع ، فيتطرق إلى أخذ من أخذ ثلاثة احتمالات متفاوتة في الدرجة بتفاوتهم في الورع . فان للورع في حق السلاطين أربع درجات الدرجة الأولى : أن لا يأخذ من أموالهم شيئا أصلا كما فعله الورعون منهم . وكما كان يفعله الخلفاء الراشدون ، حتى أن أبا بكر رضي الله عنه ، حسب جميع ما كان أخذه من بيت المال فبلغ ستة آلاف درهم ، فغرمها لبيت المال . وحتى أن عمر رضي الله عنه ، كان يقسم مال بيت المال يوما ، فدخلت ابنة له ، وأخذت درهما من المال ، فنهض عمر في طلبها حتى سقطت الملحفة عن أحد منكبيه . ودخلت الصبية إلى بيت أهلها تبكي ، وجعلت الدرهم في فيها ، فأدخل عمر إصبعه فأخرجه من فيها ، وطرحه على الخراج ، وقال أيها الناس ليس لعمر ولا لآل عمر إلا ما للمسلمين قريبهم وبعيدهم . وكسح أبو موسى الأشعري بيت المال ، فوجد درهما فمرّ بنيّ لعمر رضي الله عنه ، فأعطاه إياه ، فرأى عمر ذلك في يد الغلام فسأله عنه ، فقال أعطانيه أبو موسى ، فقال يا أبا موسى ، ما كان في أهل المدينة بيت أهون عليك من آل عمر ؟ أردت أن لا يبقى من أمة محمد صلَّى الله عليه وسلم أحد إلا طلبنا بمظلمة ! ورد الدرهم إلى بيت المال . هذا مع أن المال كان حلالا . ولكن خاف أن لا يستحق هو ذلك القدر ، فكان يستبرئ لدينه ويقتصر على الأقل ، امتثالا لقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » ولقوله [ 2 ] « ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه » ولما سمعه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من التشديدات في الأموال السلطانية ،